لماذا حثّ الإسلام على الرياضة؟بين نصوص الدين ومتطلبات العصر

بقلم: سجى خضر

في وقتٍ يتسارع فيه الإيقاع الحياتي، وتتصدر فيه شاشات الهواتف والدراسات الصحية أخبارًا عن تراجع اللياقة البدنية وارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بنمط الحياة، نجد أن توصية الدين الإسلامي بالعناية بالجسد وتأهيله ليست أمرًا جديدًا، بل نصًا وتوجيهًا متجذرًا في مصادره الأساسية، يقول النبي ﷺ في حديثٍ ورد في صحيح مسلم: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف” حديث يحمل أكثر من بعد، إذ لا يقتصر المعنى على القوة العضلية فقط، بل يشمل القوة الصحية، والنفسية،والجاهزية للمواجهة، والحياة.

وفي القرآن الكريم، يوجّه الله سبحانه وتعالى في قوله:﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباطِ الخيلِ تُرهبون به عدوَّ الله وعدوَّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ [الأنفال: 60]، وهي آية يرى عدد من العلماء والمفسّرين أنها تشمل مختلف صور القوة، من الاستعداد البدني والمعنوي إلى الذكاء والتنظيم، ويُفهم من الآية أنها دعوة إلى إعداد الإنسان جسدًا وروحًا معًا.

ولم تكن الرياضة في عهد النبي ﷺ مجرد توجيه نظري، بل ممارسة حاضرة في الحياة اليومية، فكان سيدنا محمد ﷺ يشجّع على السباقات ويوليها اهتمامًا لما تعكسه من قوة ومهارة وروح تنافسية، كما اهتم بالرمي، ودعا إلى تعلّم السباحة وركوب الخيل، لما تمثله من وسائل لإعداد البدن وتنمية التحمّل والصبر والمهارات القتالية كما أن تلك النصوص التي تتردد عن تعليم الأبناء الرماية والسباحة وركوب الخيل، تعكس فكرًا تربويًا مبكرًا يؤكد تنمية الجسد كجزء من بناء الشخصية المتكاملة، فمن منظور تربوي، الجسد القوي هو جسد قادر على العبادة، قادر على العمل، قادر على خدمة الجماعة. 

الرياضة بين الضوابط والقيم الإسلامية، لم يحثّ على الرياضة بلا ضوابط، بل ربطها بالقيم والأخلاق، فالرياضة في شريعته ليست منافسة على المكاسب وحسب، بل أمانة في التعامل، واحترام للذات والآخر، والتزام بضوابط العفاف والاعتدال، وهنا يكمن الفرق بين الرياضة كظاهرة ثقافية بحتة، وبين الرياضة كقيمة متكاملة في حياة المؤمن. 

فالرياضة المرتبطة بالقيم تتيح للفرد أن يعزز صحته من دون أن تهدر إنسانيته أو تخرج عن الإطار الأخلاقي.

 توصية الدين والواقع المعاصر 

في عالمنا اليوم، تبرز الإحصاءات الصحية التي تشي بارتفاع السمنة، وتفاقم الأمراض المزمنة، وقلة الممارسات الرياضية المنتظمة،وهنا تأتي توصية الدين كقيمة موازنة، بل كاستثمار في الإنسان: الصحة جسدًا، الاطمئنان نفسيًا، والتوازن روحًا، فالإسلام " بحكمته " يُعدّ الرياضة ليست فقط كقوة بدنية، بل كاستدامة حياة، وهو ما يلتقي مع الدعوات الصحية العالمية اليوم التي تشدد على النشاط البدني كجزء أساسي من نمط حياة صحي. 

الرياضة ليست رفاهية.. بل واجب حياةحين نقرأ النصوص الشرعية بوعي وتأمل، ندرك أن توصية الدين بالرياضة تتجاوز حدود "اللياقة" إلى حدود "القدرة على العيش الكريم" إنها دعوة إلى الاعتدال، والتنمية المتوازنة للجسد والعقل والروح، والمسلم الذي يعالج جسده بالاهتمام، لا يعالج صحته فحسب، بل يحقق نصوص دينه في أبهى صورها.

تم عمل هذا الموقع بواسطة