
بقلم : أثير الرشيدي
عندما رأيت سيارات الفورمولا تتسابق في شوارع جدة لأول مرة، لم أشعر أنني أشاهد سباقاً للسرعة، بل شعرت أنني أشاهد وطني وهو يكسر حاجز الصوت نحو المستقبل فلم تكن المحركات هي التي تضج، بل كانت أحلامنا هي التي تُعلن عن نفسها للعالم».
هذا الانطباع الذي نقله أحد المهندسين السعوديين الشباب العاملين في تطوير حلبة كورنيش جدة، فهو يلخص حالة الذهول والتحول التي تعيشها المملكة فخلف ألسنة اللهب المنبعثة من عوادم سيارات "الفئة الأولى"، تكمن قصة أمَة قررت ألا تكتفي بمقاعد المتفرجين في خارطة الرياضة والسياحة العالمية، بل أن تصبح هي "المضمار" الذي تتجه إليه الأنظار.
منذ انطلاقة جائزة السعودية الكبرى، والمملكة لا تقدم مجرد حدث رياضي موسمي، بل تستعرض "كتالوجاً" سعودياً جديداً في الإدارة والتنظيم فبينما كانت الحلبات التقليدية في أوروبا تستغرق سنوات لتجهيز بنيتها التحتية، استطاعت جدة في وقت قياسي أن تبني أسرع حلبة شوارع في العالم، محطمةً بذلك المفاهيم الهندسية التقليدية، تماماً كما حطمت "رؤية 2030" المفاهيم البيروقراطية القديمة.
فهذا التداخل بين الرياضة والاقتصاد يبرز بوضوح في الأرقام؛ فالفورمولا 1 ليست مجرد "استعراض قوة" ميكانيكي، بل هي منصة استثمارية عابرة للقارات كما أنها تستقطب مئات الملايين من المشاهدين خلف الشاشات، وتجلب الآلاف من المختصين والخبراء في المجال والسياح والمستثمرين إلى قلب عروس البحر الأحمر وهنا، تتمازج رائحة الإطارات المحترقة برائحة الفرص الاستثمارية في قطاعات الضيافة، والنقل، والتقنية، مما يحول "عطلة نهاية الأسبوع" إلى محرك اقتصادي يضخ الدماء في عروق المحتوى المحلي.
من جانب آخر، تمثل الفورمولا 1 في السعودية "دبلوماسية ناعمة" من طراز رفيع فبينما كان البعض يحاول حصر صورة المملكة في إطارات نمطية قديمة، جاءت أضواء حلبة جدة الليلية لتقدم سرداً مغايراً؛ شباب وفتيات سعوديون يديرون غرف العمليات، وينظمون الحشود، ويقودون الفرق التقنية بكفاءة تضاهي، بل وتتفوق على، نظرائهم في موناكو وسنغافورة إنها رسالة مفادها أن الاستثمار في "الإنسان" هو الوقود الحقيقي لهذه النهضة.
ومع ذلك، فإن الرهان السعودي يتجاوز حدود الحلبة فالطموح يمتد لنقل التكنولوجيا وتوطين صناعة رياضة المحركات، وهو ما نراه في الشراكات الاستراتيجية مع"أرامكو" وتطوير وقود مستدام، مما يضع المملكة في قلب النقاش العالمي حول مستقبل الطاقة والبيئة، إنها واقعية السعودية التي تدمج بين المتعة الرياضية والمسؤولية التاريخية كقائد لسوق الطاقة العالمي.
في نهاية الأمر، قد يرى البعض في سباق الفورمولا مجرد سيارات تدور حول مضمار، لكن القارئ المتفحص للمشهد السعودي يدرك أنها "بروفة" كبرى لما هو آت فإذا كان"تجرع السم" هو ما أنهى صراعات الماضي في المنطقة، فإن "تجرع الطموح" هو ما يقود السعودية اليوم، إنها لا تسابق السائقين الآخرين، بل تسابق الزمن لتثبت أن"المستحيل" ليس مفردة في القاموس السعودي الجديد، وأن خط النهاية في جدة هو مجرد خط بداية لسباقات أخرى أكثر كبراً وتأثيراً.