استدامة لا حدود.. آفاق الاستثمار الرياضي بعينٍ واعية

بقلم: رغد الجهني

لا يُمكن الحكم على تطور الرياضة في المملكة اليوم على أنها ترفيه فقط، بل هي رؤية تتجاوز المنافسة التقليدية إلى مجال اقتصادي واسع يربط الرياضة بالسياحة والاقتصاد بشكل جديد، لتجمع بين العائد الاقتصادي والشغف الرياضي، وتشكل ملامح مرحلة حديثة عنوانها "الوعي الاستثماري في السعودية". 

انتقلت الأندية والجهات الرياضية من كونها منافسة رياضية فقط إلى فرص استثمارية خارج المملكة، ومن الأمثلة على ذلك: مشاركة فعاليات موسم الرياض مع نادي روما الإيطالي كراعٍ رسمي لها، وهذا يوضح حضور السعودية في الملاعب الأوروبية كشريك استثماري وتسويقي، كما يبرز حضور الخطوط السعودية ضمن شراكات مرتبطة بملعب "أتلتيكو مدريد"، وهو ما يعكس توظيف الرياضة كحلقة وصل بين الاقتصاد والسياحة بشكل مُستدام.  

هذا التطور لم يقتصر على الرعاية فقط، بل امتد ليشمل تطوير الملاعب، لتُقدم تجربة متكاملة تشمل الترفيه والتسوق والاستثمار، وتُقام في مواقع حيوية ونشطة طوال العام، وهنا أصبحت السياحة جزءًا مهمًا من الرياضة، وينعكس ذلك مباشرة على قطاعات مثل الطيران والضيافة والتجزئة، من خلال خلق حركة اقتصادية مستمرة حتى بعد انتهاء المباراة. 

وعلى الصعيد الداخلي، تمتد الدائرة الاستثمارية عبر برنامج خصخصة الأندية الرياضية ونقل الملكية لمستثمرين دوليين، من بينهم رئيس شركة Harburg Group الأمريكية الذي استثمر في نادِ "الخلود" السعودي بهدف تطوير الكفاءات ورفع الوعي بأهمية الاستثمار الرياضي كعامل يدعم عجلة التنمية، وخلاصة ذلك: انتهاء المباراة لا يعني توقف النشاط، بل يمثل بداية لتحويل الرياضة إلى قوة اقتصادية نتيجة استثمارات طويلة الأمد وذات أثر مستمر.كما شهدت منظومة الرعايات تحولًا نوعيًا، حيث أصبحت الأندية والبرامج الرياضية واجهات جذب لأكبر الشركات، بعد أن كانت الرعاية محلية التأثير، اليوم تقوم الشراكات على دراسات مدروسة تحقق عوائد عالمية، وتُسهم في نمو السوق الرياضي، مما يجعله ركيزة أساسية ضمن الاقتصاد غير النفطي. 

وفي نطاق أوسع، يظهر هذا التوجه في مشاريع كُبرى مثل القدية كوجهة عالمية للألعاب والرياضات الإلكترونية، في دلالة واضحة على أن صناعة الرياضة لم تعد تقليدية فقط، بل تشمل أيضًا الإنتاج الرقمي، ويتضح ذلك من خلال استحواذ سعودي ضخم على شركة Electronic Arts الرائدة في تطوير أشهر الألعاب الإلكترونية بقيمة ٥٥ مليار دولار، مما يُعزز تحول المملكة من مُستهلك إلى لاعب رئيسي في السوق، كذلك استثمار آخر تجاوز نحو ١٨ مليار ريال في شركة Scopely، أحد أكبر شركات الألعاب حول العالم، كخطوة تعزز التوسع في قطاع الألعاب بوصفه سوقًا واعدًا. 

من اللافت أن البعض يعتقد أن تطور الرياضة يقتصر على جذب النجوم العالميين، لكن مؤشرات النمو تؤكد أن ما يحدث هو بناء استراتيجي طويل الأمد، تتكامل فيه قطاعات الرياضة والإعلام والسياحة والترفيه ضمن إطار واحد. 

فارتفاع المشاهدات العالمية، والرعايات الدولية، وتطوير البُنية الرياضية، كُلها دالة على استمرار الاستثمار بلا انقطاع، بعائد اقتصادي واسع التأثير. 

وبشكلٍ عام، أرى أن الرياضة في المملكة لم تعد مُجرد نشاط موسمي في منهجها، بل أصبحت قطاعًا استراتيجيًا يُعيد رسم الخريطة السياحية والاستثمارية، ويعيد تعريف مفهوم الفوز بحيث لم يعد يقتصر على التتويج، بل يمتد إلى بناء سوق اقتصادي متكامل يعزز مكانة السعودية عالميًا.

تم عمل هذا الموقع بواسطة