فجوة المستطيل الأخضر...الملاعب السعودية بين محدودية المعايير               وصعودية الطموح العالمي

تحقيق  (فن العوفي، سجى خضر، أثير الحيسوني، نوف محمد، ريناد الرويلي)

  • د. عبد العزيز العروي: "محدودية ملاعبنا تتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة البناء لمواكبة طموحنا الصاروخي.
  • ماجد الساعدي: "الإضاءة عصب النقل التلفزيوني، وعلينا معالجة بهتان الصورة لمنافسة جمالية الدوري الإنجليزي.
  • "إبراهيم الحربي: "طموحنا للريادة يتطلب منشآت تضاهي (أولد ترافورد) لضمان أداء اللاعب دون خوف من سوء الأرضية.
  • "غادة متولي: "المحترف الأجنبي يبحث عن معايير تضمن سلامته، مما يُحتم علينا تهيئة بيئة احترافية متكاملة.
  • "مقبل الجديع: "العمل لا ينتهي بملف الاستضافة.. الإضاءة وأنظمة التكييف هما مفاتيح التسويق والجذب الجماهيري."

في المشهد الرياضي المتسارع الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، تبرز تساؤلات جوهرية تضع الواقع الإنشائي الحالي في مواجهة مباشرة مع التطلعات الكبرى، هل تحد محدودية المعايير من الطموح، وكيف تقيم الملاعب السعودية عالميًا، خاصة وأن المملكة تقف على أعتاب استضافات قارية ودولية كبرى تبدأ بكأس آسيا وصولاً إلى الحلم الأكبر في مونديال 2034، إن المشكلة المتناولة في هذا التحقيق تكمن في وجود فجوة سلبية بين البنية التحتية الحالية وبين المتطلبات العالمية الصارمة، إذ تشير المعطيات الميدانية إلى أن عدد الملاعب التي تواكب المعايير الدولية بشكل كامل لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، مما يجعل من تحديث وتطوير المنشآت الرياضية ضرورة قصوى لمستقبل المملكة، وفي هذا التحقيق الاستقصائي، نغوص في تفاصيل هذه العقبات، من جودة الإضاءة وتأثيرها على النقل التلفزيوني، وصولاً إلى تحديات المناخ وتجهيزات الملاعب، مستعينين بآراء خبراء وإعلاميين ورياضيين من المدينة المنورة، لنرصد المسافة بين واقعنا الحالي وبين بريق الملاعب العالمية في الدوري الإنجليزي الممتاز.

واقع المنشآت 

تواجه البنية التحتية الرياضية في السعودية تحدياً زمنياً وتقنياً كبيراً، فبالرغم من الطموحات المفتوحة، لا تزال الملاعب التي توافق معايير الاستضافات العالمية القريبة محدودة جداً، حيث لا يتجاوز عددها ثلاثة أو أربعة ملاعب فقط، يوضح رئيس مجلس إدارة جمعية التنمية الرياضية بالمدينة المنورة، الدكتور عبدالعزيز العروي، أن الطموح العالي يحتاج إلى ركائز إنشائية صلبة.

ويقول: "نحن اليوم أمام معادلة صعبة، فالمعايير الدولية للاستضافات الكبرى مثل كأس العالم لا تتنازل عن أدق التفاصيل، بينما لا تزال معظم ملاعبنا المحلية تعاني من قصور في المتطلبات الأساسية التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم، إن محدودية المعايير الحالية قد تشكل عائقاً إذا لم يتم تداركها بمشاريع تطويرية سريعة وشاملة، فالمستقبل الرياضي للمملكة لا يتوقف على شغف الجمهور فحسب، بل على جودة المنشأة التي تحتضن هذا الشغف، وهذا يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة بناء وصيانة الملاعب لتواكب الصعودية الصاروخية لخططنا الوطنية".

أزمة جودة الإضاءة

تمثل الإضاءة أحد أهم المعايير التي يركز عليها النقل التلفزيوني الحديث، حيث يظهر جلياً تأثير جودة الإضاءة على نقاء الصورة وقوة النقل، وهو ما تسبب سابقاً في انتقادات واسعة لبعض الناقلين والمنتجين، رغم أن المشكلة تكمن في تجهيزات الملعب نفسه وليس في أدوات النقل، وفي هذا السياق، يوضح المحرر الصحفي والإعلامي الرياضي ماجد الساعدي، عضو المركز الإعلامي بنادي رضوى بالمدينة المنورة، أن الإضاءة هي عصب النقل الرياضي العالمي.

ويضيف: "لقد شاهدنا كيف يتم انتقاد جودة النقل في بعض المباريات، كما حدث في نقاشات إعلامية سابقة، حيث يُلام الناقل على بهتان الصورة، بينما الحقيقة أن إضاءة الملعب غير مواكبة للمعايير العالمية، فالإضاءة الحديثة يجب أن تضمن توزيعاً متساوياً يمنع الظلال الحادة ويوفر سطوعاً كافياً للكاميرات فائقة الدقة، الملاعب العالمية في مانشستر سيتي أو يونايتد تضع الإضاءة كأولوية قصوى لأنها تدرك أن المباراة منتج بصري يُباع للعالم، وإذا لم نعالج هذه النقطة السلبية في ملاعبنا، فسنظل بعيدين عن مستوى الجمالية البصرية التي يقدمها الدوري الإنجليزي".

تحديات المناخ والرطوبة

لا يمكن الحديث عن معايير الملاعب في السعودية دون التطرق للعوامل البيئية والمناخية القاسية، خاصة الرطوبة العالية التي تؤثر بشكل مباشر على أداء اللاعبين وجودة العشب، تشير الصحفية في إمارة منطقة المدينة المنورة، أميرة المطيري، إلى أن الرطوبة والإضاءة هما من أكثر العوامل التي تحتاج إلى تعديل فوري.

وتقول: "من خلال تغطيتنا للفعاليات الرياضية، نلمس معاناة حقيقية في الملاعب المفتوحة التي تفتقر لأنظمة تبريد وتكييف متطورة، الرطوبة العالية لا ترهق اللاعبين فحسب، بل تؤدي إلى تلف العشب وتغيير خصائصه خلال المباراة، الملاعب العالمية الحديثة تتجاوز هذه المشكلة بتقنيات تكييف متكاملة للمدرجات وأرضية الملعب، وهو ما يجب أن يكون أساسياً في ملاعبنا القادمة، إن محدودية هذه المعايير تجعل تجربة المشجع واللاعب صعبة، مما يتطلب استثمارات ضخمة في حلول التكييف المستدام لمواجهة مناخنا المحلي بما يضمن استمرارية المنافسة بنفس القوة طوال العام".

صوت المحترف الأجنبي

إن استقطاب النجوم العالميين للدوري السعودي كشف عن تباين واضح في التوقعات بخصوص المنشآت، فاللاعب القادم من أعرق الملاعب الأوروبية يمتلك معايير تقييم صارمة، وتبرز هنا تجربة اللاعب التركي مريح ديميرال، مدافع نادي الهلال الحالي، الذي عاش تجربة الملاعب الإيطالية والتركية، وتؤكد المصورة الصحفية غادة متولي، أن زاوية التقييم البصري والمهني للملاعب تبدأ من شعور اللاعب بالأمان والاحترافية.

وتوضح: "عندما ينتقل لاعب بحجم ديميرال إلى ملاعبنا، فإنه يبحث عن التفاصيل التي اعتاد عليها في أوروبا، من جودة غرف تبديل الملابس إلى مرونة العشب وأنظمة التكييف، لقد سمعنا من خلال التدوينات الصوتية واللقاءات الرياضية انتقادات مبطنة لبعض المنشآت التي لا ترتقي لمستوى الطموح، اللاعب المحترف لا يطلب الرفاهية، بل يطلب معايير تضمن سلامته وتسمح له بتقديم أداء فني عالٍ، إن المقارنة بين ملاعبنا وملاعب مانشستر سيتي أو ليفربول تظهر أننا لا نزال نحتاج لعمل جبار في تهيئة البيئة الاحترافية التي تواكب النجوم العالميين الذين استقطبناهم".

المقارنة مع العالمية

عند النظر إلى الدوري الإنجليزي الممتاز، نجد أن الملعب ليس مجرد مساحة للعب، بل هو تحفة هندسية متكاملة، بينما تظل الملاعب السعودية في معظمها غير مواكبة لهذا التطور، يرى لاعب كرة القدم من المدينة المنورة، إبراهيم الحربي، أن الفجوة تظهر بوضوح في التفاصيل التقنية.

ويقول: "إذا قارنا ملاعبنا بما نراه في أولد ترافورد أو ملعب الاتحاد، سنجد أن المشكلة في السعودية ليست في عدد الملاعب فحسب، بل في مواكبتها للمعايير، الملاعب الإنجليزية توفر بيئة تمنح اللاعب قدرة على التحكم الكامل بالكرة دون خوف من سوء أرضية الملعب أو ضعف الإضاءة، حتى الجماهير هناك تعيش تجربة ترفيهية متكاملة بفضل التكييف والمرافق، نحن في السعودية لا نمتلك سوى ثلاث أو أربع ملاعب تقترب من هذا المستوى، والبقية تحتاج لإعادة نظر شاملة، فالطموح ليكون دورينا من ضمن الأفضل عالمياً يتطلب حتماً أن تكون ملاعبنا هي الأفضل عالمياً".

رؤية الاستضافة الوطنية

تضع اللجنة السعودية لاستضافة كأس العالم 2034 معايير السلامة والحقوق في مقدمة أولوياتها لتجاوز المحدودية الحالية، حيث يؤكد رئيس اللجنة حماد البلوي في تصريحاته السابقة، أن المملكة قدمت ملفاً يتضمن مرافق متكاملة تلبي أعلى المعايير، هذا التوجه الرسمي يهدف لمعالجة السلبيات التي ذكرها الرياضيون، فالملاعب المخطط لها ليست مجرد مبانٍ، بل هي تجارب متميزة تهدف لترك إرث مستدام، إن الطموح العالي الذي تعبر عنه القيادة الرياضية يواجه تحدياً في سرعة التنفيذ وتحويل هذه الوعود إلى واقع يراه العالم في استحقاقات قريبة، فالمعايير العالمية لا تعترف بالنيات، بل بالتنفيذ الدقيق على أرض الواقع، وهو ما يجعل المرحلة القادمة بمثابة سباق مع الزمن لتعديل كل العوامل التي تنتقص من جودة المنشأة الرياضية السعودية.

إرث مستدام وتنافسية

من الزاوية الاقتصادية والتنموية، يرى الخبير الاقتصادي خالد آل بارود، أن تطوير الملاعب هو استثمار في البنية التحتية يدعم التنافسية الوطنية، ويشير إلى أن ملاعب 2034 ستحدث ثورة في مفهوم المنشأة الرياضية.

ويضيف: "الملاعب الحديثة ستترك إرثاً يدعم الاقتصاد الرياضي، لكننا لا يمكن أن ننتظر حتى عام 2034، فالمشكلات الحالية في الإضاءة والتكييف والرطوبة يجب أن تُحل في الملاعب الحالية لضمان جودة المنتج الرياضي الذي نقدمه للعالم اليوم، التنافسية العالمية تتطلب منشآت تدر عوائد وتجذب السياح، وهذا لن يتحقق إلا إذا تجاوزنا محدودية المعايير التي نراها في بعض الملاعب الحالية التي لم تعد تواكب العصر".

تقييم الميدان الشبابي

الجيل الجديد من الإعلاميين والطلاب يراقب هذه التحولات بعين ناقدة وطامحة في آن واحد، حيث يدركون أن التغيير يبدأ من رصد السلبيات بوضوح، ترى الطالبة في جامعة طيبة، دلال الحربي، أن الملاعب السعودية أمام مفترق طرق.

وتقول: "نحن كطلاب إعلام، نتابع كيف يتم تقييم ملاعبنا في المنصات العالمية، ونشعر بوجود فجوة عندما نرى مباريات في الدوري الإنجليزي ثم ننتقل لمشاهدة مباراة محليه في ملعب يفتقر للإضاءة الجيدة أو التكييف، الطموح الرياضي السعودي يحتاج إلى وعي إعلامي يسلط الضوء على هذه النواقص لتعديلها، المعايير العالمية ليست ترفاً، بل هي ضرورة لضمان وصول رسالة المملكة للعالم بأفضل صورة ممكنة".

وتضيف زميلتها سلمة الحربي، أن المشاريع الإعلامية والبحثية التي يشاركون فيها تركز على جودة المنشآت كعنصر أساسي للنجاح، وتؤكد: "لا يمكن أن نطمح لاستضافة العالم وملاعبنا تعاني من مشاكل في توزيع الإضاءة أو تأثير الرطوبة على البث، نحن نحتاج لملاعب ذكية ومواكبة، والشباب السعودي مستعد للمساهمة في هذا التحول إذا ما توفرت البيئة المناسبة".

احصائيات رسمية

 تكشف الأرقام عن فجوة واضحة بين الواقع الحالي للملاعب السعودية والمعايير العالمية التي تسعى المملكة لمواكبتها، إذ تشير التقديرات الميدانية إلى أن عدد الملاعب التي تقترب من اشتراطات الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يتجاوز 3 إلى 4 ملاعب فقط، من أصل عشرات المنشآت المنتشرة في مختلف المناطق، أي بنسبة لا تتعدى 10% تقريباً من إجمالي الملاعب الرئيسية، وهو مؤشر يعكس محدودية البنية التحتية مقارنة بحجم الطموح الوطني المتصاعد، كما تظهر بيانات النقل التلفزيوني أن أكثر من 60% من الانتقادات المرتبطة بجودة البث تعود إلى ضعف الإضاءة داخل الملاعب، وليس إلى تقنيات النقل، في حين تؤكد تقارير الأداء البدني أن الرطوبة وارتفاع درجات الحرارة قد تؤثر على كفاءة اللاعبين بنسبة تصل إلى 15–20% خلال المباريات، خاصة في الملاعب المفتوحة غير المجهزة بأنظمة تكييف متطورة، وعلى صعيد الاستقطاب.

تشير آراء اللاعبين المحترفين إلى أن جودة المرافق والبنية التحتية تمثل أحد أهم ثلاثة عوامل في قرار الانتقال للدوريات الجديدة، وهو ما يضع ضغطاً إضافياً على الجهات المعنية لتسريع وتيرة التطوير، هذه المؤشرات الرقمية مجتمعة تعكس أن التحدي لا يكمن في الرؤية أو الطموح، بل في سرعة تحويل الخطط إلى واقع ملموس يوازي المعايير العالمية قبل الاستحقاقات الكبرى القادمة.

التسويق الرياضي والجاهزية

خبير التسويق الرياضي مقبل الجديع، يرى أن ملف السعودية حصل على تقييم تاريخي، لكنه يشدد على أن الطموح يجب أن يتبعه جاهزية تامة في كل التفاصيل، ويقول: "الملاعب السعودية في طريقها لتلبي معايير فيفا، لكن العمل لا ينتهي عند تقديم الملف، بل يبدأ في الميدان لتعديل كل النقاط السلبية التي تؤثر على جودة النقل والتسويق، الإضاءة الجيدة هي مفتاح التسويق البصري، والتكييف هو مفتاح الجذب الجماهيري، المقارنة مع الدوري الإنجليزي تضعنا أمام تحدي الوصول للكمال الإنشائي، والجاهزية تعني أن نكون قادرين على استضافة أي مباراة غداً بنفس المعايير التي يطلبها العالم".

تطلعات اللاعبين الشباب

يمثل اللاعبون الشباب صوتاً قوياً يطالب بمرافق تليق بحجم الاستثمار في الموهبة السعودية، حيث يرى لاعب نادي الأنصار، إبراهيم النخلي، أن المعايير العالمية هي حق لكل رياضي سعودي.

ويضيف: "نحن كلاعبين شباب نمثل مستقبل المملكة الرياضي، ونريد أن نتدرب ونلعب في ملاعب لا تقل جودة عن ملاعب مانشستر سيتي، الرطوبة في بعض الملاعب تجعل التنفس صعباً وتؤثر على تركيزنا، وغياب التكييف في غرف الملابس أو المدرجات يحول المباراة إلى عبء بدني هائل، تصحيح هذه المسارات هو ما سيجعل الدوري السعودي يتصدر المشهد العالمي فعلياً وليس فقط إعلامياً".

ويؤيد هذا الطرح اللاعب عادل المولد، مؤكداً أن المنشآت الرياضية في المدينة المنورة وبقية المناطق يجب أن ترتقي لتوازي الطموح الوطني، فالمعايير المحلية المحدودة لم تعد كافية في عصر الاحتراف والسرعة، ويجب أن يكون التقييم العالمي هو المسطرة الوحيدة التي نقيس بها نجاح منشآتنا.

مستقبل مشرق

أن مشروع تطوير الملاعب في المملكة وتجاوز محدودية المعايير الحالية هو مشروع حضاري مستدام وطويل الأمد، يعيد صياغة العلاقة بين الشعوب والرياضة على أسس متينة من الاحترام المتبادل والتعاون الإنساني الخلاق، إن تضافر جهود المسؤولين، هو ما جعل من هذا الحراك الرياضي تجربة فريدة لا تُنسى في ذاكرة الزمان، ستبقى المدينة المنورة والمملكة دائماً هي المنارة التي تجمع شتات العالم في وحدة متناغمة.

وسيبقى الطموح الرياضي السعودي وتطوير الملاعب هو العنوان الأبرز لقدرة الإنسان على التعايش والإبداع مهما اختلفت الأجناس واللغات، ليرسم للجميع طريقاً منيراً نحو مستقبل عالمي يسوده الود، والتعاون، والجمال الإنساني في أبهى حلله.

تم عمل هذا الموقع بواسطة