
تحقيق(وسن الأحمدي، ليان الحسيني، رغد الجهني، سميه الصاعدي، مزون العمري)
مع قرب إعلان نهاية المباراة يتفاقم هتاف المشجعين داخل مدرجات الملعب وفي منصات التواصل سويًا، يتبادلون الآراء المُبرحة وتتجرد المناقشة من الروح الرياضية والحماسة إلى ميدان نزاع مليء بالإدانات والتهكم في دقائق معدودة، وتتخطى هذه البلبلة ميدان الرياضة لتتغلغل إلى روابط أفراد العائلة والأصدقاء وحتى رفقاء الدراسة، كبيئة تتوق للرياضة وتتابعها بإنفعال تجاوزت المباراة كونها مجرد وقع رياضي يتوقف مصيره مع إشارة الحكم وحسب، إنما باتت مسألة ذات نقاش مُستمر ومتداول عبر منصات التواصل وبرامج الرياضة، بينما يتراكم زخم من الآراء ورجع الصدى السريع في آن واحد، يُثير هذا التفاعل الهائل نقاش حول ماهية التشجيع الطبيعي وإنحداره صوب التعصب الرقمي وخصوصًا الفئة الشبابية المُستهدفة بنسب إقبال كثيفة في الفضاء الرقمي والأكثر تعرضًا لمحتوياته.
وفي العقود الأخيرة نشأت مشاهد عديدة للتعصب الرياضي في المجتمع، تظهر أثناء الجدال العنيف في منصات التواصل الإجتماعي، والردود المعادية بين مختلف مشجعي الأندية المحلية، والتي بالأحرى قد تؤدي إلى تفكك في العلاقات المجتمعية خارج السياق الرياضي، من هنا سيتم مُباشرة معضلة هذا التحقيق الكامنة في السؤال: إلى أي مستوى يُشارك الإعلام الرياضي ومنصات التواصل الرقمي في إشعال التعصب الرياضي داخل مجتمعنا وتحديدًا فئة الشباب؟
المنظور النفسي للتعصب
يهدف هذا التحقيق إلى رصد مظاهر التعصب الرياضي الرقمي وتحليل دوافعه النفسية والاجتماعية، إلى جانب الكشف عن دور الرسالة الإعلامية والمحتوى الرقمي في تضخيم الظاهرة، وصولًا إلى طرح حلول تعزز التنافس المتزن.
ويرى المختص نبيل الصبحي أن التعصب لا يقتصر على لحظة المباراة، بل يمتد كسلوك مستمر يرتبط بضعف التحكم في الانفعالات وتقدير الذات المرتبط بالفريق، ومع التعرض المتكرر للمحتوى الرياضي تتضاعف الاستثارة العاطفية لدى المشجع، ما يسهم في تعزيز السلوك المتطرف وتحويله إلى نمط متكرر.
الروح الرياضية والتعصب
لم تعد الرياضة مجرد منافسة تنتهي بنتيجة، بل أصبحت مساحة تعكس الهوية والانتماء وتشكل جزءًا من الصورة الذهنية للمجتمع، غير أن هذا الجانب الإيجابي يختل عندما يتحول التشجيع إلى تعصب، والانتماء إلى تحزب أعمى، والمنافسة إلى خصومة تتجاوز حدود الروح الرياضية.
وفي هذا السياق يظهر التعصب بوصفه انحيازًا نفسيًا وسلوكيًا يقود إلى مواقف عدائية، ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية على أساس الانتماء الرياضي بدل القيم المشتركة، كما يعكس خللًا في فهم الفوز والخسارة.
التعصب انحياز أعمى
ومن الجانب الاجتماعي أوضح المختص الاجتماعي الدكتور عبد الله سعد الصاعدي أن التعصب الرياضي يمثل سلوكاً غير عقلاني يتسم بالتحيز المطلق للرأي الشخصي وإلغاء احترام الآخر، محذراً من أن هذا التوجه يخلق بؤراً للخلافات تبدأ من محيط الأسرة والأصدقاء، وقد تتسع لتشمل مشاحنات إعلامية وتوترات تتجاوز الحدود. وفي المقابل، وصف التشجيع الطبيعي بأنه ممارسة حضارية وعقلانية تبني بيئة رياضية صحية قائمة على احترام المنافس وتقبل النتائج.
المنطلقات الفكرية
لا ينشأ التعصب من سبب واحد، بل هو نتيجة تداخل عوامل نفسية واجتماعية وإعلامية، حيث يجد الفرد في الانتماء الرياضي وسيلة لإثبات ذاته أو تفريغ ضغوطه اليومية.
كما تلعب الأسرة والمدرسة والمجتمع دورًا مهمًا في ترسيخ هذا السلوك أو الحد منه، بينما تسهم وسائل الإعلام ومنصات التواصل في تضخيمه عندما يطغى الخطاب المثير والمناكف، فتتشكل بيئة رقمية مشحونة تعيد إنتاج التعصب بشكل مستمر وتجعله سلوكًا مألوفًا.
انعكاسات ملموسة
تتجلى مظاهر التعصب في الملاعب من خلال الهتافات المسيئة والعبارات الجارحة، وقد تتطور في بعض الحالات إلى فوضى أو اشتباكات، كما انتقلت هذه المظاهر إلى المنصات الرقمية التي أصبحت مسرحًا يوميًا للسخرية والتنمر وتداول الشائعات. ولا تقف آثار هذه السلوكيات عند العالم الافتراضي، بل تمتد إلى الحياة اليومية، حيث تتأثر العلاقات الاجتماعية وتتوتر النقاشات داخل الأسرة وبيئات العمل والدراسة.
أثر سلوكي جماعي
حين يتفاقم التعصب الرياضي، فإنه لا يضر بصورة المنافسة فقط، بل يهدد تماسك المجتمع، ويغذي السلوكيات العدوانية ويقدم نماذج سلبية للأجيال الأصغر. وفي هذا السياق تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية كبيرة، إذ يمكن أن تكون عامل تهدئة من خلال خطاب متزن، أو طرفًا في تأجيج الصراع حين تنجرف نحو الإثارة والمناكفات.
لوائح الاتحاد
في مواجهة هذه الظاهرة، عمل الاتحاد السعودي لكرة القدم على فرض لوائح انضباط تهدف إلى الحد من السلوكيات الجماهيرية السلبية، حيث تتدرج العقوبات من الغرامات إلى إقامة المباريات دون جمهور، إلى جانب إجراءات توعوية وتنظيمية تسعى إلى بناء ثقافة جماهيرية قائمة على الالتزام والوعي، لا مجرد الخوف من العقوبة.
تداعيات التعصب الأسري
يرى المختص عبد الله الصاعدي أن التعصب سلوك غير عقلاني يقوم على التحيز للرأي الشخصي دون احترام الآخر، ما يؤدي إلى خلافات داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي.
ويفرق بين التشجيع الطبيعي القائم على الاحترام والتقبل، والتعصب الذي يخلق بيئة سلبية، مؤكدًا أن التنشئة الاجتماعية، وضعف الثقافة الرياضية، والإعلام السلبي من أبرز العوامل التي تغذي هذه الظاهرة.
ويمتد تأثير التعصب إلى العلاقات الأسرية، حيث قد تبدأ الخلافات على شكل نقاشات حادة، ثم تتطور إلى تجاوزات لفظية أو حتى جسدية، ما يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والتفكك الأسري، ويعكس ارتباط التعصب بارتفاع معدلات العنف داخل المجتمع.
التنشئة وتأصيل التعصب
تُعد فئة الشباب الأكثر عرضة للتعصب، نظرًا لطبيعة مرحلتهم العمرية التي تتسم بسرعة الانفعال والحاجة لإثبات الهوية والانتماء.
ويجد بعض الشباب في التعصب وسيلة لتعزيز مكانتهم داخل المجموعة، أو لتفريغ الضغوط النفسية، خاصة إذا نشؤوا في بيئة أسرية أو اجتماعية تعزز هذا السلوك منذ الصغر.
الوقاية ضد التعصب
تتمثل الحلول في نشر الوعي وتعزيز قيم التسامح والروح الرياضية، وتشجيع الشباب على استثمار وقتهم في أنشطة مفيدة، إلى جانب تنظيم لقاءات توعوية ومشاركة الشخصيات الرياضية في ترسيخ مفاهيم التنافس الشريف، مع أهمية تطبيق العقوبات على السلوكيات المسيئة لضبط المشهد الجماهيري.
العداء الرياضي
يُعد التعصب المحرك الرئيسي للسلوك العدواني، إذ يحول التشجيع إلى كراهية وسلوكيات لفظية وجسدية قد تهدد السلم المجتمعي، وتحول الملاعب من ساحات للمتعة إلى بؤر للصراع.
الهوية الوهمية
يلجأ بعض الشباب إلى التعصب كوسيلة لإثبات الذات والانتماء، مدفوعين بعوامل نفسية مثل الأنانية وضعف الثقافة الرياضية، إلى جانب دور الإعلام ومنصات التواصل في تضخيم هذه النزاعات وتحويلها إلى حالة مستمرة.
الانفعال الرياضي الرقمي
أظهرت متابعة التفاعل الجماهيري عبر منصات التواصل الاجتماعي عقب مباريات الأندية السعودية خلال الأسبوع الأخير من فبراير 2026 تصاعدًا ملحوظًا في حدة الخطاب في الفضاء الرقمي، حيث لم يعد التفاعل مقتصرًا على تحليل الأداء أو تقييم النتائج، بل اتجه نحو التعبير الانفعالي المرتبط بالانتماء الرياضي.
وبالاستناد إلى عينة تحليلية مكوّنة من 80 تعليقًا، تبيّن أن التعصب اللفظي شكّل نحو 28٪ من إجمالي التفاعل، فيما حملت 25٪ من التعليقات طابع السخرية والاستفزاز، مقابل 25٪ عكست تشجيعًا متزنًا، و22٪ دعت إلى تقبل النتائج بروح رياضية، وهو ما يشير إلى حضور واضح للطابع الانفعالي في جزء معتبر من الخطاب الجماهيري الرقمي.
السخرية الجماهيرية
يتضح من تحليل الخطاب استخدام التعميم والتشكيك والسخرية كأدوات رئيسية، ما يحول النقاش من تحليل رياضي إلى مواجهة لفظية ويزيد من حالة الاستقطاب بين الجماهير.
وفي هذا السياق، يشير عبد الله الحربي، مشجع هلالي، إلى أن التعادل أو الخسارة أحيانًا تثير ردود فعل مبالغ فيها، حيث يتعامل معها بعض الجماهير وكأنها مسألة كرامة. فيما يرى فهد الجهني، مشجع اتحادي، أن حدة التفاعل ترتبط بشكل كبير بطريقة تناول المباريات إعلاميًا قبلها وبعدها، وهو ما يبرز تأثير الخطاب الإعلامي في توجيه الجمهور.
ومن جانب آخر يوضح يوسف البلادي، مشجع نصراوي، أن النقاش لم يعد يدور حول تفاصيل المباراة بقدر ما أصبح ساحة لإثبات الأفضلية بين الجماهير، في إشارة إلى تحول الحوار من تحليل رياضي إلى منافسة رمزية.
بينما يؤكد خالد الأحمدي، مشجع أهلاوي، أن بعض التعليقات تتجاوز حدود التشجيع لتتحول إلى هجوم مباشر، خاصة بعد المباريات المتقاربة في المستوى، وهو ما يعكس هشاشة الفاصل بين الحماس المشروع والتعصب المبالغ فيه.
البيئة الرقمية والبيانات
تؤكد المؤشرات أن المنصات الرقمية تسهم في تضخيم السلوك الانفعالي بسبب سرعة انتشار المحتوى وغياب الضبط المباشر، كما أظهرت نتائج الاستبيان أن الغالبية ترى تحول التشجيع إلى تعصب، مع دور واضح للإعلام، ووجود ارتباط بين التعصب والعنف وتأثيره على العلاقات الاجتماعية.
أمثلة تعكس الواقع
تبرز عدة حوادث واقعية تعكس تصاعد التعصب الرياضي في المملكة، من أبرزها ما أُثير بعد هبوط النادي الأهلي في موسم 2022-2021، حيث تم تداول أخبار عن حالات وفاة مرتبطة بتأثر بعض الجماهير بنتائج فريقهم، في حادثة وُصفت بالكارثية.
كما شهد ديسمبر 2025 فرض عقوبات على نادي الاتحاد، شملت غرامة مالية وإقامة مباراة دون جمهور، نتيجة رفع لافتة اعتُبرت مسيئة خلال إحدى مباريات الديربي.
وفي سياق آخر، أثارت حادثة الاعتداء على لاعب نادي الاتحاد حمدالله خلال مباراة السوبر في أبريل 2024 جدلًا واسعًا، بعد توثيق اعتداء أحد الجماهير عليه داخل المدرجات، ما دفع الجهات المعنية إلى مراجعة قواعد السلوك الجماهيري.
البيانات تتحدث
كشفت نتائج الاستبيان أن التعصب الرياضي لم يعد ظاهرة هامشية، بل أصبح سلوكًا شائعًا في البيئة الرقمية، حيث يرى نحو 89٪ من المشاركين أن التشجيع تحول إلى تعصب بدرجات متفاوتة، فيما وصف أكثر من ثلاثة أرباع العينة التفاعل الجماهيري بأنه حاد أو عدائي.
كما تؤكد النتائج الدور المحوري لمنصات التواصل الاجتماعي، إذ اعتبرها أكثر من 95٪ عاملًا مؤثرًا في تأجيج التعصب، إلى جانب الإعلام الرياضي الذي أقرّ غالبية المشاركين بمساهمته في تضخيم الظاهرة.وعلى المستوى السلوكي، أظهرت البيانات وجود ارتباط واضح بين التعصب والعنف، حيث يرى أكثر من 70٪ من المشاركين وجود علاقة مباشرة أو جزئية بينهما، كما امتدت آثار الظاهرة لتشمل العلاقات الاجتماعية لدى نسبة ملحوظة من الأفراد.
وفي المقابل يتجه الرأي العام نحو تبني حلول شاملة تجمع بين التوعية والإعلام والتربية والتشريعات، ما يعكس إدراكًا متقدمًا بأن التعصب الرياضي ظاهرة مركبة تتطلب معالجة متعددة الأبعاد.

التغلب على التعصب الرياضي
تبدأ المواجهة من المنظومة التعليمية التي تغرس قيم التسامح، إلى جانب دور الإعلام في تقديم خطاب متزن، والحاجة إلى تنظيم المحتوى الرقمي وتعزيز الوعي لدى المستخدمين، مع دور أساسي للأسرة في بناء سلوك متزن منذ الصغر.
من التوعية إلى صناعة وعي جماهيري
تسهم المبادرات المجتمعية والحملات التوعوية والفعاليات المشتركة في تعزيز التفاعل الإيجابي، إلى جانب دور الشخصيات الرياضية والإعلامية في نشر قيم الاحترام والتسامح بين الجماهير.
ختامًا يتضح أن التعصب الرياضي ظاهرة مركبة تتداخل فيها عوامل اجتماعية وإعلامية ورقمية، ما يجعل مواجهتها مسؤولية مشتركة.
ومع التطور الرياضي في المملكة، تبرز أهمية بناء وعي جماهيري يعكس صورة حضارية، بحيث يتحول الشغف الرياضي إلى سلوك إيجابي يعزز وحدة المجتمع بدل أن يكون سببًا في تفككه.